فلاسفة إدغار موران

Publié le par mohamed najib

فلاسفة إدغار موران

إدغار موران فيلسوف و عالم اجتماع متعدد التخصصات و متنوع الاهتمامات. يعود إدغار موران في كتابه الأخير " فلاسفتي " الصادر سنة 2012 عن دار جيرمينا، لعلاقته بالفلاسفة الذين كان لهم تأثير في مساره الفكري و النظري. الحوار التالي يلقي بعض الضوء على هذه العلاقة التي يدخل فيها، و ينسج خيوطها لا الفلاسفة فقط ، بل من قد نعتبرهم خارج دائرة الفلسفة، فهم إما أدباء أو أنبياء أو فنانين.

ترجمة محمد نجيب فرطميسـي

سؤال: كانت البداية، كما عبرت عن ذلك في " فلاسفتي" بالصدمة التي أحدثها فيك دوستويفسكي أثناء مراهقتك، فمن خلاله و عبره تولدت لديك " اليقظة الفلسفية الأولى ".

جواب: يحسن دوستويفسكي أفضل من أي كان التعبير الساخر و يتقن الحديث عن المعاناة و التراجيديا الإنسانية. لقد أدرك أن الإنسان " عاقل ـ مجنون " فهو حكيم جامح يجرف معه أحلاما بكاملها. يدرك دوستويفسكي جيداً معنى التناقض و هو ما يذكر لا محالة بالشك عند بليز باسكال. يعاني كذلك ، كما هو الأمر بالنسبة لجل شخوصه الروائية، من ستافروغين إلى كرامزوف، نفس التنافر و نفس التمزق الداخلي. أعيد القول ، إننا في عالم باسكال، عالم الصراع بين الإيمان و الشك، بين الأمل و اليأس. يشفق دوستويفسكي، حد الرأفة ، و بلا حدود، على الفقر و الذُل و التراجيديا الإنسانية. كتب في رواية الأبله: " الشفقة هي القانون الجوهري، القانون الوحيد، فيما أظن، لوجود الإنسانية جمعاء."

سؤال: تضع باسكال فوق الجميع فهو أعظم فلاسفتك. لماذا هذا الافتتان؟

جواب: لأني أعثر فيه على " شياطيني": الإيمان و الشك، العقل و التصوف. لأني أعشق، على الخصوص، فلاسفة التناقض. لنبدأ بهرقليطس الذي لامس المسالة في العمق من خلال عبارات مثل: " يقظون، إنهم نيام " أو " من دون أمل لن تعثر قط على ما هو غير متوقع " أو " العيش موتا، و الموت حياة "

نفس المسعى نجده لدى باسكال. فهو عالم عقلاني، و في نفي الآن، متدين متصوف. يتصارع عنده الإيمان و الشك و الدين و العقل، و تغتني هذه الصراعات من بعضها البعض.عاش باسكال ليلة 23 نونبر 1654 تجربة إشراق إلهي، ترجمها كالتالي: " فرح، فرح، فرح. نحيب من فرح ".

باسكال مسيحي ورع، رغم ذلك فهو مسكون باللايقين، و التساؤل الدائم و المستمر. أنا مثله عقلاني و متصوف، لكن ليس بنفس الكيفية، أنا متصوف العشق و الحب. كما قال ريمون بانيكار R. Panikkar : " الفلسفة، بالنسبة لي، هي حكمة الحب، أكثر منها حب الحكمة". أومن بشاعرية الحياة، و أحس بأني متدين فقط بالمعنى الأصلي للإخاء و التقارب، متدين عندما أنصت للموسيقى أو أقف أمام مشهد طبيعي.

سؤال: اعتبرت في مؤلفك هذا أن باسكال ما زال يتمتع براهنية ساطعة.

جواب: بالتأكيد. لأنه حسم مع كل ضروب البساطة، و السببية الخطية في جملة رائعة و حاسمة: " كل الأشياء بما هي سبب و نتيجة، مباشرة و غير مباشرة ...أعتبر أنه من المستحيل معرفة الكل بمعزل عن الأجزاء، لا معرفة الكل من دون معرفة الأجزاء فقط.» استلهمت هذا الضرب من التفكير من أجل الشروع في عملي حول " المنهج ". كما كرست عملي حول الأنثربولوجيا المركبة انطلاقا من تصور باسكال عن الكائن البشري بما هو نسيج تناقضات " حثالة الكون و مجده في نفس الآن ". لقد موضع، إضافة لذلك، و عن حس استشرافي خارق، النوع البشري بين لامتناهيين إثنين، و هذا ما أثبتته فيما بعد الميكروفيزياء و الفيزياء الفلكية في القرن العشرين. أصادف عند قراءتي " أفكار" باسكال صيغاً رفيعة و رائعة.

سِؤال: على العموم، باسكال يعينك على العيش.

جواب: خصوصا بسبب رهانه. يؤسس باسكال إيمانه على رهان، فهو على وعي بأنه يتعذر إثبات وجود الله بواسطة المنطق، أو عن طريق العلم، أو المعجزات. استعدت أنا أيضا رهانه هذا، لا من أجل الله، بل من أجل كل القرارات التي اتخذها في الحياة، في السياسة، و في مجمل أعمالي.

سؤال: يتولد لدينا، عند قراءة كتابك إحساس بأن تأثير الفلاسفة الآخرين كان أقل بكثير مما خلّفه فيك باسكال. لقد كنت، على سبيل المثال، متشددا تجاه ديكارت.

جواب: ديكارت فيلسوف كبير، لكن طريقته مفرطة في التحليل إلى حد بعيد: يقسم، على النقيض من باسكال، المشكلات أجزاء صغرى ليتعامل معها فيما بعد، منفصلة، كل على حدة. لهذا ينبغي في نظري التخلص من الديكارتية.

سؤال: مررت مسرعاً شيئاً ما على سبينوزا...

جواب: سبينوزا مفكر حداثي إلى حد بعيد. رفض فكرة الله المتعالي و الخالق، لإدماج مسالة الخلق في الطبيعة، فأضحت الطبيعة خالقة لذاتها. " الله، إن شئت قلت، الطبيعة " هذا ما كتبه. أُقصي سبينوزا من مجمعا اليهود، و بقي صامدا، لم ينخرط قط في أية ديانة منزلة. تعجبني الطريقة التي نبذ بها الحقد و الضغينة، و رفض التعصب. تحضر في كتابه " الأخلاق" عبارات سامية و جليلة عن العشق بوصفه " تكاثر الذوات ". لكني، باسم الحقيقة، أقول إن البناء الهندسي لهذا الكتاب العظيم يثير في الضجر و السأم.

سؤال: تضعون سبينوزا فيما تدعونه حركة ما بعد تنصير اليهود التي تعد، في نظركم، أصل الفكر الحديث. اشرحوا...

جواب: اليهودي المتنصر هو ذاك الذي يبدو أنه نسي بفعل الزمان و تعاقب الأجيال أنه كان في يوم ما يهوديا، لكنه يحتفظ مع ذلك في أعماقه بهويته. إنه، بمعنى ما، مسيحي مزيف. يعد الفيلسوف الفرنسي مونتاني Montaigne المثال الأكثر جلاء عن هذه الحركة، إذ بتجاوزه لليهودية و المسيحية، أصبح مفكرا حرا. لا يستشهد بتاتاً مونتاني في كتاباته بالأناجيل، ففي عز حروب الأديان، عاين مونتاني بنظرة ملؤها الشفقة و الإنسانية الحضارات الأخرى . لقد كان سابقا على ليفي ـ ستروس في التنديد ببربرية غزو القارة الأمريكية. يندرج كذلك شكسبير ضمن هذا التيار. إنه، فيما أعتقد، سليل يهودي سفرادي، يدعى شابرو Shapiro، و الذي بدل اسمه بآخر إنجليزي: شكسبير. لا وجود في كتابات شكسبير لمفهوم الخلاص، مؤلفات تحضر فيها بقوة فكرة أن الحياة " قصة يحكيها أبله " .

سؤال: خصصتم أيضا في مؤلفكم هذا مكانا لنبيين: بودا و المسيح. ماذا أضافا إليك فلسفيا؟

جواب: تحضر عند بودا مسألة التحول الدائم، و هي نفسها التي طورها معاصره في القرن السادس ق.م الفيلسوف اليوناني هيرقليطس، بإعلانه أن الكل في تحول مستمر. يبين بودا أن العالم الذي نعيش فيه عالم مظاهر، و يعلمنا الامتثال للعدم الذي ينتظرنا. لكن خطابه الأساسي يتمثل، خلافا للمسيحية، في الشفقة تجاه كل ضروب المعاناة، بما في ذلك الشفقة بالحيوان، . لهذا السبب أعتبر نفسي بوديا محدثا.

سؤال: و مسيحيا محدثا أيضاً.

جواب: أنا نحلة تجرس مؤونتها من الزهور. أصنع عسلي من كل الحقول. جلب المسيح للإنسانية معنى المغفرة ( الصفح ) إذ يعد في نظره، أسمى من العدالة. و هي مسألة لم تكن معروفة إلى ذلك الحين لا عند اليهود و لا عند الإغريق، و لا لدى الرومان. إني جد متأثر أيضا برسالة بولس التي تقول: " أنا لا شيء من دون الحب" . أشعر بأني فعلا مسيحي محدث بسبب المغفرة Le pardon و الحب، لا بسبب الخلاص السماوي الذي لا أومن به.

سؤال: إنك بودي محدث، و مسيحي محدث، و ماركسي أيضا. ألا يمكن الحديث هنا عن ضرب من التناقض؟

جواب: كانت ماركسيتي منفتحة باستمرار و مبنية على استيعاب كل ما عداها، و تحررت منها في نفس الآن. آمن كارل ماركس بالتقدم، بالحتمية و بعقلانية التاريخ. لقد أضحى تصوره عن التاريخ، بما هو تصور مادي و ذي بعد واحد، متجاوزاً الآن. لكن بالمقابل فإن عددا من أفكاره الأساسية ما زالت تتمتع بالحياة و القوة. فضلاً عن ذلك أعتقد، كما هو الشأن عند جون دولاكروا أن المعرفة تفضي لجهل جديد، و أن النور ينبع من الظلام.

سؤال: أدرجت من بين فلاسفتك، الموسيقار بيتهوفن، و هي مسألة تثير الاستغراب.

جواب: عبّر بيتهوفن في عبارته الشهيرة " يجب أن يكون، لا بد أن يكون " عن ضرورة التمرد على هذا العالم و قبوله في نفس الآن. و هو القائل في جميل العبارة: " لن أنحني إلا أمام الطيبوبة ".

سؤال: يوجد في كتابك ثقب. لماذا تخفي نيتشه؟

جواب: توجد دائما ثقوب في جبن ليغريير Les gruyères ( جبن أصفر ذو ثقوب صغيرة ) ِ[ ضحك] . لكني أقر مع ذلك أن نيتشه قد شكل لحظة أساسية في الفلسفة. بحثت الفلسفة بعد عصر النهضة عن أساس الحقيقة النهائية في الكوجيطو مع ديكارت، في الأنا مع كانط أو في الصيرورة مع هيجل. لقد قلب نيتشه الطاولة بإعلانه عدم وجود أساس نهائي للحقيقة، ذلك أن الحقيقة تتشكل بخلقها لديناميكيتها الخاصة.

سؤال: لم تتقدم الفلسفة كثيرا منذ أفلاطون و أرسطو. هل يتملكك إحساس بأنها توقفت مع نيتشه؟

جواب: إنها ملاحظة غير صائبة. لا بد أولاً من مرور زمن طويل لكي تفرض العبقريات ذاتها. هكذا عبّر بروست تقريبا، على ما أتذكر من جملة ما درسته بالمرحلة الثانوية: " كل من يتيه في عبارات ملتبسة فهو عالم نفس جيد، لكنه كاتب فاشل." أضف إلى ذلك أني لا أفهم كيف يمكننا اليوم الاستغناء عن سبينوزا أو باسكال أو هيجل الذين ما فتئوا يتمتعون دائما براهنية. أخيرا ما زال أمام الفلسفة مستقبل زاهر، إن هي لم تنطو على ذاتها، و لم تنفتح على العالم. لقد وقع خلال القرون الماضية نوع من الجفاء بين الفلسفة والعالم. الحال أن تقدم العلوم اليوم يفضي لتساؤلات فلسفية، من قبيل: من أين أتينا؟ لماذا انتصبت بعض الثدييات واقفة على أرجلها لتصير إنسانا؟ إننا نعيش دوما وسط ألغاز و نحن في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، لفلاسفة من أجل الطواف في اتجاه العلوم، و في اتجاه الحياة، و على الحدود بين ما لا ينقال و ما لا يعرف.

Le Point. N: 2057

Février 2012

Commenter cet article