الإنشاء الفلسفي اختبار للفكر و عمل للعقل

Publié le par mohamed najib

الإنشاء الفلسفي اختبار للفكــر و عمل للعقل
محمد نجيب فرطميسـي
يحتل الإنشاء الفلسفي مكانة متميزة في الدرس الفلسفي، فهو تقويم إجمالي لدرس على درجة كبيرة من التعقيد، درس جوهره، كما قال كارل ياسبرز: " إيقاظ الذهن، و السهر على إبقائه متيقظا."1
إن منطلق تفكيرنا في الإنشاء الفلسفي هو الدرس الفلسفي؛ خصوصياته و مميزاته. مبرر هذا الاختيار هو أن " الإنشاء الفلسفي بما هو اختبار للفكر و عمل للعقل، هو صورة و وجه التدريس الفلسفي."2 و كل حديث عن الإنشاء الفلسفي لن يرق ـ في نظرنا ـ إلى المستوى المتوخى منه إلا في إطار ربطه بالدرس الفلسفي، بتصورنا عن هذا الدرس و ممارستنا له، إذ في سياق هذه الممارسة يتم تعلم الكتابة الإنشائية و ممارستها.
أولا: درس الفلسفة
يتميز درس الفلسفة عن درس الرياضيات أو درس العلوم الطبيعية أو درس التاريخ، في طبيعته و نوعية الأهداف التي يطمح لتحقيقها، إنه درس من أجل " أن يتعلم العقل كيف و متى و لماذا ينبغي أن نتساءل؟ و الفرق واضح هنا بين درس يرى حقيقة ما نبحث عنه، و ما نحلم به كأفق ممكن ينبغي أن نمشي باتجاهه، و بين درس يقدم حججا و براهين على حقيقة هي في متناول المتعلم شريطة أن يمتلك كامل حضوره الذهني." 3 إن تعليم الفلسفة، بمعزل عن طريقة التفلسف، يكون مجرد تلقين لأفكار، و سرد معلومات " فطريقة التفلسف هي التي تسمح بمعرفة قيمة الأفكار الفلسفية و تفسيرها و تبريرها، و بدون ذلك لا تخرج الفلسفة عن مقابلة أفكار بأفكار أو نظريات بنظريات." 4
الدرس الفلسفي هو الخلاصة العليا لهذا الجدل الدائم بين المعرفة و الجهل. و لعل هذا ما قصده ميرلوبونتي بقوله: " إن ما يمثل حقيقة الفيلسوف هو تلك الحركة الدائمة التي تقوده من المعرفة إلى الجهل، و من الجهل إلى المعرفة، مع كل ما يتطلب ذلك من استمرارية في صميم هذه الحركة." 5
ثانيا: الإنشاء الفلسفي
الإنشاء الفلسفي هو أولا تمرين كتابي يشتغل فيه التلميذ انطلاقا من معطى معرفي، مادته الأساسية هي النصوص الفلسفية بما هي مجال لإنتاج الفلسفة، و بما أنه كذلك فهو " وسيلة للتقويم " يتجه من التلميذ إلى الأستاذ على عكس الدروس6. و هو ثانيا جواب، إنه جواب عن سؤال يضع المادة المعرفية الفلسفية موضع إشكال و تساؤل. تقتضي ضرورة الإجابة ـ ما دام الإنشاء يتم في المؤسسة ـ فهماً واضحا قدر الإمكان، لما يطلب من التلميذ. و أخيرا إن الإنشاء الفلسفي حوار، ذلك أننا نكتب شيئا ما لأحد ما " هناك إذن رهان يتعلق بإقناع القارئ ـ المصحح، بالعمل على تقديم جواب مقبول و مستدل عليه، و ذلك بعد تفكير و تفحص." 7
ثالثا: الإنشاء الفلسفي بما هو كتابة.
الإنشاء الفلسفي كتابة يمارسها التلميذ، و هي كتابة يشتغل فيها على قدراته اللغوية و الفكرية و الحجاجية، و لا يمكن بأي حال، مهما بلغ مستوى نضج هذه الكتابة أن نرفعها إلى مستوى الكتابة الفلسفية كما يمارسها الفيلسوف خاصة و أن هذا الأخير يشتغل انطلاقا من فلسفته الخاصة على مرجعيات تمثلها، ينتقدها، و يعترض عليها. أما كتابة التلميذ فهي صادرة عن كائن غير متخصص بعد في الفلسفة، علاقته بها ما زالت تمر عبر وساطة المدرس، و النصوص الفلسفية المقتطفة من مؤلفات فلسفية. إن الكتابة في هذا المستوى، اكتساب و تعلم. من هنا لا يمكن " لكتابة التلميذ أن تنتج نصا مكتوبا إلا باكتسابها التدريجي، فهي ليست إلهاماً، إنها ممارسة تتطور بتطور الأدوات التي يمتلكها التلميذ"8. لهذا فهي تكتسب عبر لحظات ينتقل فيها التلميذ من الكتابة الجزئية ( شرح قولة، كتابة مقدمة... ) إلى الكتابة المنظمة، المحكومة بضوابط منهجية، خاضعة لتصميم دقيق، تستحضر الأفكار بكيفية واضحة، و تدعم النقاش بحجج مقبولة.
إن احترام هذه الضوابط محكوم بإكراهين أساسيتين. أولاهما ما يلاحظه المدرسون ـ بدون استثناء ـ من تدني مستوى التلاميذ، و الذي يتجلى خاصة في ملكتهم اللغوية، لغتهم فقيرة، ركيكة ، غير سليمة. الإكراه الثاني ـ مرتبط بالأول ـ أن التلاميذ لا يكتبون إلا في المؤسسة، حيث يلاحظ غياب كراسات خاصة بهم يدونون فيها ما كتب على السبورة، ما قراؤه وما اشتغلوا عليه.
يطرح هذا الوضع على المدرس، في نظر جان ماري بوريلJ-M. Borel مجموعة من المشكلات تشكل ثلاث منها جوهر المشكل، على أساس أن الرهان فيها يدخل ضمن النظام البيداغوجي9.
أو ل هذه المشكلات التي تطرحها الكتابة الفلسفية هي مسألة غايتها؛ إن الكتابة الإنشائية تمرين مدرسي، وانطلاقا من هذا الوضع الاعتباري، فإن التلميذ لا يكتب إلا داخل الفصل / المؤسسة.
المشكل الثاني هو معيارية الكتابة الإنشائية، ذلك أن الوضع المؤسساتي لهذا التمرين يفترض، بله يستدعي نوعا من الوفاق: وجود كتب مدرسية و أطر مرجعية.
المشكل الثالث، يتعلق بكيفية تعامل المدرس مع " ضعف كفاية المتمدرس ". إنه مشكل التقويم، و يمكن صياغته على النحو التالي: ما القراءة التي تحكمنا و نخضع لها عندما نكتب بالأحمر على هامش نص إنشائي: غموض، انزياح، غير منظم، من قال لك هذا، من يتكلم، ما الإشكال....؟
إن مسألة الغاية و مشكل المعيارية مرتبطان في نظر بوريل بالتساؤل عن المعايير التي بإمكاننا تحديدها من أجل تمفصل مفكر فيه بين الكتابة و الفلسفة. يتعلق الأمر في نظرها بمعايير للتواصل. و بالتالي على النوع الذي يمارسه التلميذ ـ أي الإنشاء الفلسفي ـ أن يُعترف به كما هو تواصليا، ذلك أن " التواصل الضروري الذي يحصل بين التلميذ و المشكل الفلسفي هو الذي يساعد التلميذ على الخروج من ذاتيته ليهتم بالفكرة قبل أن يهتم بنفسه." 10 إن الفلسفة ـ كما قال نوفاليس Novalis ـ لا تفسر الطبيعة، بل تفسر ذاتها.
أما المشكل الثالث فهو المتعلق بمراقبة الخطاب، و يعني هذا المشكل بالنسبة للمتعلم التمرن على التفكير و ممارسة الكتابة، و بالنسبة للمعلم ضوابط التقويم ومقوماته.
نخلص مما سبق إلى مايلي:
الإنشاء كتابة شخصية للتلميذ، يمارسها وفق معايير محددة.
الإنشاء مجهود فكري و تمرين للفكر.
الإنشاء محكوم بضرورة الوحدة والانسجام.
لا يمكن كليا و نهائيا أن يقوم الأستاذ بالإنشاء نيابة عن التلميذ.
~ ـ الصعوبات و العوائق:
الإنشاء الفلسفي كتابة إذن. إنه نص متبث بواسطة الكتابة، فالكتابة هي حياة الفكر، إنها نمط تمظهره الخارجي، هذا التمظهر الذي يجعله ممكنا. و لعل هذا هو ما قصده عنه هيجل بقوله: " إننا نفكر داخل الكلمات ". إن هذا الوضع الاعتباري الخاص و المميز للإنشاء الفلسفي، و الذي يمده باستقلاليته، و يضفي عليه خصوصيته، هو ما يجعل منه كتابة متميزة، مسكونة بمقتضيات البرهنة و الحجاج و الوضوح المفاهيمي، وشفافية اللغة.
نعم هناك قنوات منهجية يمكن من خلالها تعلم الكتابة الإنشائية. تشكل التمارين الجزئية ( الاشتغال مثلا على كل مقطع على حدة ) إحدى هذه القنوات، الوساطة بين الكتابة الجزئية و الكتابة الإجمالية. مع ذلك هناك صعوبات تعترض التلميذ خلال إجابته و كتابته، صعوبات و عوائق تحول دونه و الكتابة بمعناها الفلسفي وفق شروطها و مقتضياتها المنهجية. حددت فرانس رولان 11 هذه الصعوبات فيما يلي:
أ ـ صعوبة قراءة عبارة الموضوع من حيث الشكل المنطقي للعبارة و من حيث تحليل المفاهيم الفلسفية التي تتضمنها. إن نوعية القراءة التي يقوم بها التلميذ لعبارات الموضوع هي التي تحدد إمكانات الصياغة الإشكالية لمنطوق السؤال.
ب ـ صعوبة التنظيم الفكري. ترتبط هذه الصعوبة عادة بمجموعة من العيوب و الانحرافات، منها ما هو شكلي و منها ما هو فلسفي مثل مراكمة الأفكار من دون أي رابط منطقي ، أو استعرض الأمثلة من دون تحليل، أو كثرة الدوران و التكرار، إضافة للاستعمال المجاني للتعريفات دون العودة للمعجم.
ج ـ صعوبة التعامل مع المواقف الفكرية، المتمثل في اتخاذ التلميذ أثناء تعامله مع مواقف الفلاسفة إما لموقف دوغمائي أو موقف نسبي. و هكذا يغيب لديه التركيب، و يظهر ضعف الفكر الجدلي.
د ـ صعوبة استعمال المراجع الفلسفية، و المتمثل أساسا في الإفاضة في الاستشهادات الطائشة.
ترتد هذه الصعوبات، كما هو الأمر في كل فعل فلسفي في نظر فرانس رولان إلى مستويين: هناك من جهة عوائق ذات طبيعة منطقية تهم تحليل الخطاب و الصياغة الإشكالية و عملية المحاجة و التدليل. و من جهة ثانية، هناك صعوبة التعامل مع المضمون سواء كان هذا المضمون هو تاريخ الفلسفة أو التجربة الشخصية.
نتيجة لهذه العوائق/ الصعوبات فإن النقطة التي يحصل عليها التلميذ في أول كتابة إنشائية غالبا ما تكون محبطة، ينتج عنها خطاب تبريري إسقاطي: إن نقط الفلسفة هي دائما بهذا القدر، مهما كتبت في مادة الفلسفة فلن تحصل إلا على تلك النقطة... هذا هو لسان حال التلميذ. و هكذا يلتقي و يتقاطع هذا الخطاب التبريري بالتمثل الأولي و القبلي لدى التلميذ عن الفلسفة؛ كونها ليست كالمواد الأخرى، و أن لا طائل يرجى من ورائها 12
تستدعي هذه الوضعية التفكير في أفق تجاوزها. إننا لا نقترح في هذا المستوى قواعد جاهزة، و معايير مسبقة تصدق قبليا على الكتابة الإنشائية. إن ما نقترحه يدخل ضمن ما اعتبرناه مجرد تفكير في الإنشاء الفلسفي. نعني بالتفكير هنا المساءلة الواعية، و التي تخلق مسافة بينها و بين موضوعها، في أفق الإمساك بما يمكن أن يشكل حقيقة وواقعا في الكتابة الإنشائية.
رابعا: الإنشاء الفلسفي بما هو حوار.
ليس الإنشاء الفلسفي كتابة فقط لكنه كذلك حوار. الفلسفة حوار" لو لم يكن هناك حوار لما كانت فلسفة..فقد اعتبر سقراط أن الحوار هو الخطاب الحي المفعم بالحركة، و لا تشكل الكتابة سوى صورة له"13. إن التلميذ يكتب شيئا ما لا لنفسه بل لشخص ما، يحاوره ويستبق ملاحظاته و اعتراضاته.
كون الإنشاء حوار يفترض بادئ ذي بدء تحليل الحوار و تحديد شروطه. هذه الشروط هي كالتالي:
أولا: ضرورة احترام المسافة الضرورية بين المتخاطبين ذلك " أن الإفراط في القرب، شأنه شأن الإفراط في البعد يقتلان الحوار. إن بعد المسافة ـ شانه شأن قربها ـ يحول دون خلق مسافة بين المتخاطبين. و هذا ما يحصل عندما لا يمتلكان لسانا مشتركا. " 14. لكي يتحقق حوار أصيل، على المتلقي أن يكون على مسافة ضرورية، لا هي بالبعيدة، و لا هي بالقريبة، من المرسل، بغية تأمين وفاق بينهما.
ثانيا: الحوار ثلاثي البنية. تدخل في هذه البنية، مقارنة ببنية العلاقة القانونية، ثلاثة عناصر، تظهر على النحو التالي:
ـ عندما يحدث خلاف بين شخصين.
ـ عندما سيتعصي حل هذا الخلاف بطريقة حبية، أي في إطار ثنائي تحكمه العلاقة أنا ـ أنت.
ـ يدفع هذا الوضع إلى وساطة عنصر ثالث نزيه و محايد. هذه الوساطة مشروطة باعتراف كل منهما بقرار هذا العنصر الثالث.
إن تطبيق هذه الخطاطة على الحوار يظهر أن الحوار " يبدأ بالاختلاف، و لا إمكانية للحوار إلا في غياب الاتفاق. كل واحد من المتخاطبين يسعى إذن للقيام بالمطالبة باستحقاق وجهة نظره بما هي حاملة للحقيقة. مقابل ذلك فإن الوفاق الذي يهدف إليه الحوار لن يتحقق إلا بالرجوع لوساطة العنصر الثالث المحايد، الذي هو مجال الحقيقة الموضوعية."15.
ثالثا: حركية الحوار. " فليس الكلام حراً، بدعوى أن بإمكان أي شخص قول ما يروق له، بل في نطاق تكون فيه القواعد و شروط الحوار قد تم التفكير فيها و تشييدها و لو جزئيا من طرف هذا العنصر الثالث "16. إن المعنى و مفعول الحقيقة يشيدان في حركة العرض ذاتها، من خلال ذلك التوتر الذي يجمع و يفصل في الآن نفسه بين المتحاورين، و هي مسالة لا يمكن الحصول عليها إلا بفعل تبادل الأدوار.
أخيرا: يشترط الحوار تبادل الأدوار. هذا ما يميزه عن المناظرة الخطابية التي تستدعي في أبسط أشكالها حضور متناظرين و جمهور. يتوجه كل واحد من المتناظرين لا إلى الجمهور، بل للمخاطب الآخر، الماثل أمامه و المماثل له. و إذا حدث أن أنصت له هذا الأخير، فليس ذلك نتيجة انشغاله بمعرفة ما يرغب في قوله، بل فقط من أجل اكتشاف و التقاط نقط ضعف مناظره. أما في الحوار فإن كل مخاطب يعتبر نفسه باستمرار قائلا و متلقياً. " وضع كهذا يفترض إذن عقدا مضمراً و ضمنياً، إنه الإنصات للآخر، لا من أجل إيقاعه في التناقض، بل من أجل تقدير وتثمين قيمة أطروحته."17 .
تمكن هذه الشروط الأربعة للحوار من تحديد المطلوب من التلميذ في كتابته الإنشائية، إذ عليه:
ـ أن يستقل بذاته ، و إلا أصبح ظلا للمدرس يقلد كلامه، و يعيد إنتاج دروسه.
ـ إنه لا يناظر بل يحاور بكل ما يحمله الحوار من دلالة و معنى وما يقتضيه من شروط و ضوابط.
ـ أن يعي جيدا أنه سيُقرأ و سيتم تقويم عمله. لذا عليه أن يعرض النتائج التي توصل إليها، و المراحل التي قطعها، و الوسائل التي استعملها، " مستفرغاً جهده في أن يكون عرضه وفق مقتضيات تتحدد بما اكتسبه من معارف مضبوطة."18
ـ احترام المتلقي، والارتقاء بالسؤال من مستوى التساؤل العادي إلى المساءلة الفلسفية.
خامساً: الإنشاء بما هو تمرين.
إن الإنشاء الفلسفي، إلى جانب كونه كتابة و حوارا، فهو كذلك تمرين. إنه حسب تعريف لابييه Labier : " تمرين مدرسي متواضع، غايته حل مشكلة فلسفية. إنه إحدى التمارين التي نقترحها على التلاميذ من أجل تعليمهم فعل الفلسفة "19 . تشتغل هذه الكتابة الإنشائية على ثلاث قدرات:
أولا: القدرة اللسانية، و يتعلق الأمر بامتلاك اللغة و المعرفة بها؛ وظيفتها، اشتغالها، و قواعدها.
ثانياً: القدرة المعرفية؛ إذ تفترض الكتابة الإنشائية معرفة بالمحتوى، أي بما يتعلق به قولنا و الذي يخص القضايا و الإشكالات الفلسفية التي سنعالجها.
إن هاتين القدرتين، أي القدرة اللسانية و القدرة المعرفية ، تسبقان ـ كما تقول دومنيك فيرنوD. Vernaud ـ عملية الكتابة، ذلك أن القضايا و المشكلات و الموضوعات قد سبق التعرف عليها قراءة و فهما قبل عملية الكتابة.
ثالثا و أخيرا: إن الكتابة الإنشائية تمرين لبناء الأفكار و تركيبها من أجل تنظيم المحتوى و معالجة المشكل، و عرض الأطروحات. في هذا المستوى يمكن الحديث عن الحجاج أو التدليل الذي يقوم به ذاك الذي يكتب. لا يستحضر الحجاج في هذا المستوى المخاطبين فقط ، بل ذهن من يكتب، و ذاك الذي يقرأ. لهذا فالمعرفة بطرح المشكل و معالجته و الوقوف عند إكراها ته و صعوباته، تشكل أساس تعلم هذه الكتابة.
ـ يفترض الحجاج بما هو مجال للاحتمال صياغة تساؤلية.
ـ يقترض الحجاج متلقيا يجب أخده بعين الاعتبار عند اختيار الحجج، و عند تحديد الطريقة التي سنعرض بها الحجج، إذ لا تؤثر كل الحجج و بنفس القوة في كل الظروف.
ـ يهدف الحجاج ـ من جملة ما يهدف إليه ـ إلى إقناع الآخر و التأثير عليه.
ـ يعتمد الحجاج لإثبات الأطروحة المدافع عنها،على الاستدلال و المنطق.
انطلاقا من هذه المعطيات، فإن الإنشاء الفلسفي لا يختزل فقط في اختلاق نص ملائم لوضعية معينة، لأنه في هذه الحالة لن يكون إلا سطحيا، و لن يبرر ساعات العمل و المجهود الذي تطلبه. من هنا وجب ربط الإنشاء الفلسفي ـ كما تقول دومنيك فيرنو20 ـ بأهداف بعيدة المدى. أولها: تمرين الفكر و تشغيل الذكاء في أفق تشكيل ما نفكر فيه. بهذا المعنى فإن هذا التمرين جزء من كل البناء الذهني. ثانيهما الدعوة للتفكير في اللغة، وظيفتها، ضوابطها و مقتضيات التواصل بواسطة المكتوب. من هنا فإن الصعوبات التي يواجهها التلميذ أثناء عملية الكتابة لا ترجع فقط للغة في حد ذاتها، بل لاستعمال اللغة في تنظيم المكتوب. إن الوعي بدور اللغة في الحوارـ و المعرفة بسلطتها في الإغراء و التأثير و السيادة21 ، يمكننا لا من التواصل فحسب، بل من التميز وتأكيد الذات كذلك.
في أفق الخلاصة:
لقد صدرنا في مقالنا هذا عن رؤية مفادها أن التفكير في الكتابة الإنشائية هو في نفي الآن تفكير في الدرس الفلسفي إذ في هذه الكتابة تتجلى رهانات الدرس الفلسفي. إنها بشكل من الأشكال صورة ووجه هذا الدرس، لهذا لم نعتبرها محض تمرين مدرسي خاضع لقواعد منهجية و ضوابط صارمة، إنها أكثر من هذا و ذاك، تمرين للفكر. لهذا فإن قيمتها الجوهرية و الأساسية تكمن في وحدتها و انسجامها.
يشكل زمن الإنشاء الفلسفي ـ في نظرنا ـ تلك اللحظة التي يمكن أن نطلق عيها بنوع من التجاوز "لحظة التوتر بامتياز " إنه توتر يعيشه التلميذ و الأستاذ معا، ففي الإنشاء الفلسفي يكون التلميذ وجها لوجه أمام ذاته، و درجة مستواه. و ما إلحاح التلاميذ على أستاذهم من أجل تأجيل هذا التمرين، و الصمت الرهيب الذي يصاحب و يعم الفصل أثناء عملية الانجاز، إلا صورة لذلك التوتر، المتجلي في كتاباتهم حيث يطغى عليها التكرار و الابتذال، و يغيب فيها كل اهتمام ـ على مستوى الشكل ـ بالجوانب الشكلية من نقط و فواصل و علامات.
يعاني الأستاذ هو الآخر هذا التوتر أثناء عملية تصحيح كتابات تلامذته بالمنزل، فأمام ضعفها و هزالتها، لا يسعفه إلا أن يضع كل تجربته التعليمية موضع تساؤل. لتخفف عنه العبارة السحرية هذه: " لقد تدنى مستوى التلاميذ " ما أمكن تخفيفه من معاناته ، فيضع قلمه الأحمر الجاف و أوراق التلاميذ جانبا، لينسحب بكل وداعة و هدوء، مسائلا نفسه في مرارة: لماذا يحب المدرس كثيرا أن يرى في ذاته كل الأصل؟ و لماذا يرغب في امتلاك هذا " الفرع " و الذي بتقديره لا يعدو أن يكون محض خضوع مطلق؟
الهوامش:
1 ـ J. Vialatoux : L’intention philosophique. PUF. Paris. 1967. p 95
2ـ F. Raffin : La dissertation philosophique. La didactique à l’oeuvre. Hachette. Paris. 1994. p 6
3 ـ Leçon de la philosophie. In « L’Univers philosophique ». PUF. 1989.
4 ـ الطاهر وعزيز: المناهج الفلسفية. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. 1990 .ص 15
5 ـ زكريا إبراهيم: مشكلة الفلسفة. مكتبة مصر. القاهرة. 1971. ص 101
6 ـ عناصر الكتابة الفلسفية. التيجانية فرتات و فؤاد الصفا و سحبان. مؤسسة بنشرة. البيضاء. 1987. ص 73 ـ 74 .
7 ـ.La dissertation philosophique.. Op. cité. p 9 ـ
8 ـ الورقة التوجيهية الخاصة باللقاءات التربوية للأساتذة العاملين بالتعليم الثانوي. وزارة التربية الوطنية. قسم البرامج الرباط. 1994
9 ـ Borel : Plans du discours à propos de l’enseignement de la dissertation de philosophie. In « Revue internationale de philosophie ». Puf. N : 155/ 1985.
10 ـ الطاهر بن قيزة: الروح الفلسفي في الدرس الفلسفي. المعهد القومي لعلوم التربية. تونس. 1989. ص 105
11 ـ F. Rollin : « L’éveil philosophique ». p 175-176.
12 ـ M. Le Doeuff : La philosophie renseignée. In « Philosophie : Les interrogations contemporaines ». Fayard. Paris. 483- 488.
13 ـ الطاهر وعزيز: المناهج الفلسفية. ص 137
14 ـ La dissertation philosophique. Op. cité .p 81
15 ـ La dissertation philosophique. P 83
16 ـ La dissertation philosophique. P 84-85
17 ـ نفس المرجع. ص 86 .
18 ـ طه عبد الرحمان: في أصول الحوار و تجديد علم الكلام. المؤسسة الحديثة للنشر. البيضاء. 1987 .ص 34
19- Greph: “ qui a peur de la philosophie?” Flammarion. Paris. P 279
20 ـ D.Vernaud: Les paroles d’autrui. Etudes de lettres. Lousain. 1985. p 129

Commenter cet article