قصيدة بارمنيدس

Publié le par mohamed najib

                                                 قصيدة بارمنيدس

 

                                                           

قادتني الأفراس التي كانت تحملني بعيداً إلى حيث هفا قلبي، و أوقفتني الآلهة عند ذلك الطريق المشهور الذي يهدي الحكيم العارف بسائر المدن. و أسرعت بي الأفراس الحكيمة تجر عربتي في ذلك الطريق و العذارى ترشد إليه. و تطاير الشرر من الرحى في تجويف العجلة، و صرت صريراً كأنه الزمر، ثم ضاعفت العذارى بنات الشمس ( هيليوس ) من سرعتي، و كشفن بأيديهن النقاب عن وجوههن، ليحملنني إلى النور، و قد خرجن من مسكن الليل.

إلى حيث كانت بوابات طريقي الليل و النهار، و قد سدت بعوارض من فوق، و عتبة من حجر من تحت، و أغلقت البوابات الذاهبة في الهواء بأبواب عظيمة، و احتفظت العدالة (   ( Dikê ذات العقاب الشديد في يدها بمفاتيحها. و خاطبتها العذارى بألفاظ عذاب يغرينها بإنزال العوارض عن البوابات بغير إبطال. فلما انفتحت الأبواب كشفت عن فضاء واسع، ثم عادت مساميرها البرونزية إلى مواضيعها. و في هذا الطريق المستقيم اتجهت بي العذارى يقدن العربة و الأفراس، حيث استقبلتني الإلهة بترحاب، و أخذت يدي اليمنى بين راحتيها، و خاطبتني قائلة:

مرحى أيها الشاب، يا رفيق الهاديات الخالدات، اللاتي أرشدن عربتك إلى بيتي. مرحى ... لقد أرسلت في هذا الطريق بالأمر الإلهي Thémis  و العدالة   ( Dikê)و إنه حقا لطريق بعيد عن أقدم البشر. جئت تبحث في كل شيء: عن الحق الثابت المستدير، كما تبحث عن ظنون البشر الفانين التي لا يوثق بها. و لكنك لا بد أن تعلم هذه الأمور أيضا، و كيف تنظر في جميع الأشياء التي تظهر و تبحث فيها.

                                                 * * *  

و لكن عليك أن تبتعد بفكرك عن هذا الطريق من البحث، و لا تجعل الإلف مع التجارب الكثيرة تدفعك إلى أن تلقي على هذا الطريق عيناً مبصرة، أو أذناً واعية، أو لساناً ناطقاً، بل احكم بالجدل ( اللوغوس ) على ما أنطق من البراهين، فلا يوجد أمامك سوى طريق واحد مذكور.

 

                                     طريق الحق

 

انظر بعقلك نظرا مستقيما إلى الأشياء، و إن كانت بعيدة فهي كالقريبة، و لن تستطيع أن تقطع ما هو موجود عما هو موجود، فالأشياء لا تفرق نفسها و لا تجتمع.

                                                 * * * 

كل شيء واحد من حيث أبدأ لأني سوف أعود إلى المكان نفسه.

                                                * * *                          

أقبل الآن لأخبرك، و اسمع كلمتي و تقبلها. هناك طريقان لا غير للمعرفة يمكن التفكير فيهما، الأول أن الوجود موجود، و لا يمكن أن يكون غير موجود، و هذا هو طريق اليقين، لأنه يتبع الحق. و الثاني أن الوجود غير موجود، و يجب ألا يكون موجودا، وهذا الطريق لا يستطيع أحد أن يبحثه، لأنك لا تستطيع معرفة اللاوجود و لا أن تنطق به، لأن الفكر و الوجود واحد و نفس الشيء.

                                                  * * *

ما يلفظ به و يفكر فيه يجب أن يكون موجوداً، لأنه من الممكن أن يكون الوجود موجوداً، و من المستحيل أن يوجد اللاوجود. إني آمرك أن تتأمل هذه الأمور، و أن ترجع عن ذلك الطريق ( الأول للبحث ) و عن هذا الطريق الآخر أيضا الذي يضل فيه البشر، و لا يعرفون شيئاً ناظرين إليه بوجهين، لأن الارتباك الموجود في صدورهم يضلل عقولهم حتى لقد يعيشون كالصم و العمي و الطغام الذين لا يميزون، فيذهبون إلى أن الوجود موجود، و اللاوجود موجود، و أن الوجود و اللاوجود شيء واحد، و إلى أن كل شيء يتجه في اتجاهات متضادة.

لأنه لا يمكن أبداً إثبات أن اللاوجود موجود، و عليك أن تصرف نظرك عن هذا الطريق من البحث.

                                     * * *   

 

فلم يبق لنا إلا طريق واحد نتحدث عنه، هو أن الوجود موجود. و في هذه الطريق علامات كثيرة تدل على أن الوجود لا يكون و لا يفسد، لأنه كل و وحيد التركيب، لا يتحرك، و لا نهاية له. و أنه لم يكن، و لن يكون، لأنه الآن كلٌ، مجتمع، واحد، متصل. فأي أصل لهذا الوجود تريد أن تبحث عنه؟ و كيف و من أي أصل نشأ ؟ إني لن أسمح لك بالقول أو التفكير أنه نشأ من اللاوجود، لأن اللاوجود لا يمكن أن يعبر عنه أو يفكر فيه. و أيضاً إذا كان قد نشأ من اللاوجود فما الضرورة التي جعلته ينشأ متأخراً عن وقته أو قبل ذلك؟ فهو إما أن يكون قد وُجد مرة واحدة، أو لم يوجد أصلاً. و لن تسلم قوة اليقين في أنفسنا بأن شيئا خرج إلى الوجود من اللاوجود، اللهم إلا من الوجود ذاته. و لذلك فإن العدالة لم تخفف قيودها و تسمح للوجود بأن يكون أو يفسد، بل العدالة تشد الوجود بقيد وثيق. و يتوقف الحكم على هذه الأمور على ما يلي: " هل الوجود موجود أو غير موجود؟ " لهذا يلزم بالضرورة أن نتجاهل أحد الطريقين لأنه لا يمكن التفكير فيه أو التعبير عنه ( إذ هو طريق غير صادق ) و أن نأخذ الطريق الثاني لأنه طريق الوجود و الحقيقة. و ما مصير الوجود في المستقبل؟ أو كيف يمكن أن يوجد؟ إدا جاء إلى الوجود فليس بموجود. و كذلك إذا وجد في المستقبل. و بذلك تزول الصيرورة و لا يتحدث أحد عن الفساد.

و ليس الوجود منقسماً، لأنه كلٌ متجانس، و لا يوجد هنا أو هناك أي شيء يمكن أن يمنعه من التماسك؛ و ليس الوجود في مكان أكثر أو أقل منه في مكان آخر، بل كل شيء مملوء بالوجود، فهو كل متصل لأن الوجود متماسك بما هو موجود.

و أيضاً فإنه لا يتحرك من جهة حدوده القوية الأسر، بلا بداية و لا نهاية، لأن الكون و الفساد ( ما يظهر و ما يختفي ) قد أبعدا، إذ أبعدهما اليقين الصادق. إن الوجود ذاته يظل في المكان نفسه، باقياً بنفسه، ثابتاً على الدوام، لأن الضرورة تمسكه داخل قيود النهاية التي تحيط به، فقد حكم القانون الإلهي ألا يكون الوجود بغير نهاية، فهو لا يحتاج إلى شيء؛ أما من جهة المكان فإنه يحتاج إلى كل شيء.

و ما نفكر فيه، و ما من أجله يوجد التفكير، شيء واحد، لأنك لا تجد تفكيراً في غير الوجود الذي تعبر عنه بالكلام. إذ ليس شيء موجوداً، و لا سوف يكون موجوداً ما خلا الوجود، ما دام القدر قد قيده ليكون كلاً لا يتحرك. و بناء على  ذلك ليست جميع الأشياء إلا أسماء أطلقها البشر عليها، و اعتقدوا في صدقها، مثل الكون و الفساد، الوجود و اللاوجود، النقلة في المكان، و تغير اللون الساطع.

و حيث كان للوجود حد بعيد، فهو كامل من جميع الجهات، مثل كتلة الكرة المستديرة المتساوية الأبعاد من المركز، لأنها ليست أكبر أو أصغر في هذا الاتجاه أو ذاك، و لا يعوقها شيء عن بلوغ النقط المتساوية عن المركز، و ليس الوجود أكثر أو أقل وجوداً في مكان آخر، بل هو كل لا انفصال فيه. و لما كان الوجود متساويا من جميع الجهات فإنه يبلغ الحدود بشكل متجانس.

 

                                                 طريق الظن

و إذا بلغت هذا الموضع فإني أقفل باب الكلام الصادق و الفكر المتعلق بالحق. و عليك من الآن فصاعدا أن تتعلم آراء البشر، مصغياً إلى التسلسل الخادع لألفاظي.

لقد تعود البشر تسمية صورتين، و يجب أن يمسكوا عن ذكر إحداهما عند الانحراف عن الحق. و قد ميزوا بينهما من حيث تضادهما في الصورة، و استدلوا عليهما بعلامات مختلفة. إحداهما النار في السماء، و هي نار رقيقة، لطيفة، متجانسة من جميع الجهات، و لكنها تختلف عن الأخرى. و هذه الصورة الأخرى تضادها تماما: إنها الليل المظلم، جسم ثقيل كثيف. و إني واصفة لك نظام العالم كما يظهر، حتى لا يسبقك تفكير أي إنسان.

                                           * *  *

و لما كانت جميع الأشياء تسمى النور و الليل، و أطلقت الأسماء على كل صنف من الأشياء طبقا لقوة كل منهما، ففي كل شيء مقدار متساو من النور و الليل اللامرئي، إذ لكل منهما نصيب.

                                                 * * *

و ستعرف طبيعة السماء، و جميع العلامات الموجودة فيها، و الأثر المفسد لاشتعال الشمس الساطعة الضوء، و كيف نشأت ( أي الأجرام السماوية ) إلى الوجود. و ستتعلم كذلك طبيعة القمر و وجوهه و أعماله في سيره. و ستعرف أيضا السماء التي تحيطنا، من أين نشأت، و كيف جعلتها الضرورة تمسك حدود النجوم. و كيف نشأت الأرض ، و الشمس، و القمر، و السماء المشتركة للجميع، و المجرة، و أوليمبوس البعيد،و قوة النجوم الساطعة.

                                                 * * *

لقد امتلأت الحلقات الأضيق بالنار غير الممتزجة، و ما يليها من حلقات بالليل، و يندفع من بينهما أجزاء من اللهب. و في وسطها توجد الإلهة التي تدبر جميع الأشياء، ذلك لأنها أصل كل نسل و تناسل، فهي التي تسوق الأنثى للائتلاف مع الذكر، و تدفع الذكر إلى الصلة بالأنثى.

                                                 * * *

و أول ما أبدعت من الآلهة هو الحب ( إيروس ).

                                                 * * *

القمر يضيء ليلاً بنور يستمده من خارج، دائراً حول الأرض.

                                                 * * * 

و كما أن الأعضاء تمتزج في كل إنسان، كذلك العقل يمتزج في البشر. لأن العقل الذي يفكر واحد، و هو تركيب الأعضاء في كل شخص من الناس، لأن زيادة النور أو الليل هي التي تكون العقل.

                                                 * * * 

 و هكذا طبقا لآراء البشر نشأت هذه الأشياء، و لا تزال حتى الآن، و سوف تكون و تفسد. و أطلق على كل شيء اسماً ثابتاً يميزه.

                                                

 

 

 

Commenter cet article