ورقة حول مجزوءة السياسة

Publié le par mohamed najib

 

مقترح بناء عام لمجزوءة السياســة

 

مجال المجــزوءة

 

 يندرج مجال المجزوءة ضمن ثلاثة حقول معرفية:

 ـ السياسة: كمجال أعلى لممارسة جماعية تستند في آن واحد على مبادئ موجهة، وعلى علاقات فعلية.

 ـ القيم؛ على أساس التفكير في ذلك التعارض القائم بين قواعد الحق و مقتضيات العدالة، بين ما تفرضه الالزامات من جهة، و الحرية الإنسانية من جهة أخرى.

 ـ الفلسفة بوصفها المجال الذي تم فيه التفكير، منذ الإغريق الى الآن، في السياسة.

 خصوصية التناول الفلسفي لقضايا السياسة.

البنية المفاهــيمية 

 ينتظر أن يتبين المتعلم جملة من المفاهيم المرتبطة بالسياسة، يدرك مجالاتها،  يميز بينها، و يوظفها في النقاش و الكتابة. من هذه المفاهيم: الدولة، السلطة، السيادة، القانون، العنف، الحرب، الحق، العدالة...

الإطار العام

تقوم السياسة من حيث هي ممارسة تستهدف امتلاك السلطة

و المحافظة عليها، على ثلاثة أبعاد:

الدولـــة

ـ البعد المؤسسي:

يؤسس لضروب تنظيم الحياة السياسية بين الأفراد.

الإشكال المركزي:

  • من أين تستمد الدولة مشروعيتها، و أحقيتها في ممارسة السلطة؟

العنـــف

ـ البعد العلائقي:

يتمثل في تدبير العنف بمختلف تجلياته، و محاولة إضفاء المشروعية عليه.

الإشكال المركـزي

  • ما العنف؟ و ما تجلياته؟
  • ما الذي يضفي المشروعية على العنف؟

الحق و العدالة

  ـ البعد القيمي:

 يتمثل في تحديد الأساس المعياري الذي يقوم عليه تنظيم العلاقات بين الأفراد.

 الإشكال المركزي:

  •  ما الذي يحدد مجموع القيم و المعايير التي تؤسس للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد داخل جهاز الدولة؟
  • هل يضمن القانون حقوق الأفراد و حرياتهم؟

 

الوضعية المشكلــة

الوضعيــة

 يمكن اقتراح وضعيات متعددة و ممكنة، نقدم واحدة منها:

 يستمد المجتمع حركتيه من هذا التعارض:

  ـ من جهة حاجة الأفراد بعضهم لبعض. ( الاجتماع و التبادل)

  ـ من جهة أخرى إن تضارب مصالحهم يدفعهم نحو الصراع. ( التنافس)

 تكون الدولة في هذه الحالة في مواجهة هذه الوضعيةـ المشكلة، و التي تأخذ شكل مفارقة بين ما يقتضيه ارتباط الأفراد فيما بينهم داخل المجتمع، وما ينجم عنه من صراع جراء تضارب مصالحهم، على نحو يهدد وحدة المجتمع و سلامته.

 المشكلة إذن هي التالي:

 ـ كيف يمكن للدولة أن تحل هذه المفارقة؟

 

الدولـــة

 

 « تعد الدولة من الأمور الطبيعية، و الإنسان من طبعه حيوان مدني.»            أرسطــو ( 322 ق م )

 ما الذي يفيده هذا القول؟

  1. أن هناك سبقا زمانيا للمدينة، ( بوليس) في دلالتها الإغريقية، على الإنسان، فهي التي تحدد ماهيته، و ما على الفرد إلا الخضوع لها.
  2. هذه الأسبقية في الزمان لا تصدق على الفرد فقط، بل على الأسرة و العائلة كذلك.
  3. أن الإنسان لا يحقق اكتماله إلا داخل الحياة الاجتماعية.

 انطلاقا من هذا المعطى يمكن أن نطرح الإشكال التالي:

  1.  
    • ما الذي يبرر وجود الدولة ؟ و من أين تستمد مشروعيتها؟

المحور الأول

مشروعية الدولة و غاياتها

 

يستهدف المحور تحديد مفهوم الدولة مشروعيتها و الغاية منها.

 تعد الدولة نتاج صيرورة تاريخية، فهي وريثة مسار إنساني طويل، ونتاج تحولات اجتماعية كبرى، إنها استجابة لضرورة تفرض على الأفراد، رغم أنانيتهم، إطارا من الحياة يُفترض فيه ضمان السلم و حماية حقوق الأفراد الأساسية.

 الدولة هي أولا شيء عمومي، و بما أنها كذلك فهي أسمى تعبير عن المجال العمومي الذي يوجد بذاته، وبالتالي فلن يكون عالم الدولة عالما للسيطرة، بل عالما للحرية. و مع ذلك فما الذي يبرر وجودها؟

  « الإنسان، كما كتب كانط، رغم كونه حرا، كائن يحتاج إلى سيد »، و ليس هذا السيد إلا السلطة، حيث تكون « الدولة وحدها السيد المطلق». سيادة الدولة تقتضي توازنا بين قطبي الحرية و القانون، الشرعية و المشروعية.

·        الإشكال:

·        من أين إذن تستمد الدولة مشروعيتها؟

·        كيف يمكن تبرير مشروعية السلطة السياسية داخل الدولة؟

 بالإمكان استثمار الأطروحات التالية.

  ـ أطروحة جون لوك ( ت 1704): ربط جون لوك قيام الدولة، كشيء عمومي، بحماية المصالح المدنية الخاصة للأفراد، و مع أن السلطة السياسية للحكم المدني لن تتخلص من قوة الإكراه، فلن يكون هذا الإكراه هو قاعدة الدولة، بل الحرية التي تجد ترجمتها الفعلية في السلطة التشريعية. بهذا الشكل سيعتبر جون لوك الحق في الحرية و ممارستها مبدأ الدولة و غايتها.

 ـ أطروحة توماس هوبز ( ت 1679): الدولة بمثابة إله فان ( ليفياثان)، أي مبدع محكوم عليه بالموت. لذلك كانت الدولة في تكوينها شبيهة بالإنسان، و لأجل فهم آليتها وجب، حسب هوبز، دراسة الطبيعة البشرية قبل دراسة الدولة، و ذلك قصد فهم دوافع الفعل الإنساني عامة و السياسي على وجه الخصوص. إذا كانت سيادة الدولة تحتاج إلى من يمثلها في شخص الحاكم، فإن قوة الدولة و استمراريتها سيحتاجان إلى آلية عمومية للسلطة تجعل الأفراد يمتثلون للقوانين حتى لا يعودوا إلى حالة حرب الكل ضد الكل.

 ـ باروخ سبينـوزا ( 1677 ): الحرية هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة، و شرطها الوحيد أن « تنبع سلطة القرار من الجماعة أو من بعض الأفراد، أو من فرد واحد».

 لا تستمد الدولة، حسب هذه الأطروحات، مشروعيتها من أي سلطة خارجية، و لا ترتبط بالحق الإلهي، فهي ليست دولة تيوقراطية لأنها لا تتأسس على ما هو مقدس، إنها نتيجة تعاقد إرادي، حر بين البشر، فهي ـ على حد تعبير هيغل ـ المجال الذي يلتحم فيه الحق و الواجب، عبر مسيرة العقل الجدلية.

المحور الثانـي

طبيعة السلطة السياسية

 

يستهدف المحور إدراك طبيعة السلطة السياسية، و آليات اشتغالها.

 تقوم الدولة على مؤسسات قانونية تحدد الغاية من وجودها، و تمنحها الأساس الذي تقوم عليه سلطتها السياسية.

 لكي تقوم الدولة فعلا بحماية الأفراد مما قد يلحقهم من أدى نتيجة عدوانية الآخرين، لابد من تثبيت سلطتها و تقويتها. تشكل هذه الوضعية، بالمقابل، تهديدا ممكنا بالنسبة لكل فرد من أفراد المجتمع.

  • الإشــكال:
  • ما طبيعة السلطة السياسية، و كيف تشتغل؟

 لاستتباب الأمن، من دون التخلي عن الحرية، يمكن استحضار التصور الذي قدمه مونتسكيـو ( 1755)، و الذي استقاه في روحه من المؤسسات الإنجليزية في أواسط القرن الثامن عشر.

 ينطلق مونتسكيو من كون الحكومات، و إن كان المفروض فيها أن تحكم باعتدال، فإنها مع ذلك تنساق، بمجرد ممارستها للسلطة، إلى إساءة استعمالها و المغالاة فيها. المؤسسات هي المؤهلة وحدها، دون غيرها لتنظيم السلطة. لإقامة نوع من التوازن لابد من فصل السلط قيما بينها، و توزيعها للحفاظ على توازن الحريات و الحقوق داخل الدولة: السلطة التنفيذية، و السلطة التشريعية، و السلطة القضائية. لا تشكل هذه السلطات الثلاثة تفتيتا لسيادة الشعب، بل تحافظ عليها.

 ـ أطروحة جان ـ جاك روســو (1778): السلطة السياسة، تنظيم للعلاقات البشرية استنادا إلى سلطة القوانين. يرتبط  الحق البشري، في نظر روسـو، بوجود سلطة سياسية مشروعة ترجع للشعب ككيان سياسي عمومي، أو إرادة عامة. القوة ـ كما فال روسو ـ لا تصنع الحق، و لسنا ملزمين بالخضوع إلا للسلطات المشروعة.

 إن التفكير المعاصر في السلطة السياسية قد وسع من مجالها، و أعاد النظر في بعض التصورات الكلاسيكية عن السلطة كما تصورها ميكيافلي (1527) في خطابه الموجه للأمير مذكرا إياه بأن زمن الأمير الفاضل قد ولى، ليست الفضيلة إلا عائقا أمام الفعل السياسي، و بالتالي فمن حقه استخدام جميع الوسائل، المشروعة منها و اللامشروعة، على أساس الفاعلية، ما دامت النتائج هي التي تحدد مكانته، و تحكم عليه.

 من الأطروحات المعاصرة، هناك:

 ـ أطروحة ميشيل فوكــو(1984): ليست السلطة متعالية عن المجال الذي تمارس فيه، بل هي محايثة له، يمتد مفعولها في كل مناحي الجسم الاجتماعي. السلطة، كما قال ميشيل فوكو، حاضرة في كل مكان، و لأنها كذلك فهي تأتي من كل صوب.

 ـ أطروحة لويس التوسير(1990): الدولة عبارة عن مجموعة من الأجهزة، فهي تضم إلى جانب الأجهزة القمعية ( البوليس، و الجيش...)، الأجهزة الإيديولوجية، و التي تتمثل أمام الملاحظ المباشر في هيئة مؤسسات متميزة و متخصصة كالعائلة و المدرسة، و النقابة و الإعلام...و هي مؤسسات تشتغل على نحو خفي  و غير مرئي.

المحـور الثالث

الدولة بين العنف و الحــق

يستهدف المحور إدراك قيام السلطة على الحق، و ارتباطها كذلك بالعنف.

 تكون الدولةُ دولــة بالفعل عند قيامها على الحق، إنها شخص معنوي يملك سيادة

 تميزه عن الأشخاص الماديين، و تعلو بها عليهم.

 إن حرية الأفراد و وجود الدولة شيئان متلازمان، ففي سيادة القانون تكون الدولة ذات سيادة، وفي احترام القانون يكون الأفراد أحرارا. و لايمكن أن تقوم الدولة بدون مؤسسات قانونية تمنحها أساسها، و تحدد الغاية من وجودها.

 إن كانت الدولة كجهاز تعمل على حماية حرية الأفراد، و تضمن الأمن و الاستقرار، فإن هذا الجهاز يبدو كذلك، وفي حالات على أنه يقمع و يقف في وجه كل مقاومة. داخل هذا السياق، تأخذ السلطة السياسية مظاهر الاستفراد بسن القوانين، و احتكار القرار و الأمر و المنع، و الإكراه المدعوم بشتى الوسائط البشرية و المؤسسية، و الرمزية.

 يجب أن نعترف أن هذه المفارقة الخاصة بالسلطة السياسية، هي جزء من المفارقة أكبر تهم مفهوم الدولة ككل.

 الإشكــال

  • لماذا تلجأ الدولة للعنف؟
  • هل من حق الدولة أن تمارس العنف باسم القانون؟

 أطروحة ماكس فيبـر( 1920 ): تحتكر الدولة حق ممارسة العنف المشروع، و هو أمر لا يتناقض مع طابعها العقلاني و القانوني. « ليس العنف بطبيعة الحال إلا الوسيلة الوحيدة للدولة، ولكنه وسيلتها الخاصة». يسمح احتكار الدولة للعنف المشروع بضبط  العنف الفوضوي للبشر،  و تقليصه.

 نقد إريك فــروم لأطروحة ماكس فيبـر:

 إن تعريف الدولة الحديثة على أنها المحتكر الوحيد للعنف المشروع، تعريف ناقص، إذ بالإمكان تطبيقه على أشكال قديمة من الاستبداد. يكمن الدور الايجابي للدولة، في نظر إريك فــروم، في تسجيل عملها في إطار القوانين و تدوينه، أي في إطار « دولة الحـق» حتى في حال استعمالها للعنف، فهي تؤكد على سيادة القانون.

في أفق الخلاصة

 

 

 تطرح مسالة المشروعية الإشكال التالي:

  • هل بإمكان القوة أن تكون في خدمة الحق؟
  • كيف يمكن فعلا تحويل الطاعة إلى واجب؟

 يثير هذا الإشكال النقاش الذي دار حول علاقة السياسة بالأخلاق، بدء من أمير ميكيافلي إلى دولة الحق بوصفها عملية بناء و إبداع دائم للحرية، و دعوة لاحترام الإنسان.  ( أطروحة جاكلين روس).

 كما يفتح  هذا النقاش على المفاهيم  الأخرى المكونة للمجزوءة؛ العنف، الحق، العدالة... إذ للمفاهيم طريقتها في الحياة وفي مجابهة الموت، ذلك لأنها تخضع لإكراه التجديد و التحول، و النقل. ( جيل دولـوز).

 

 

 

 

Commenter cet article