لماذا نحن دائما في حاجة للأنوار؟

Publié le par mohamed najib

                                   لماذا نحن دائما في حاجة للأنوار؟

                                                       

تزفيتان تدوروف

                                                        ترجمة محمد نجيب فرطميسي

 

 

في صعوبة التعريف

 

هل بالإمكان تعريف الأنوار  بكيفية مختصرة؟ لا تخلو العملية من مجازفة:  فقد دامت  حركة الأنوار ما ينيف عن  القرن، تطورت في بلدان متعددة، و واجهت مواقف متعارضة.  يعد هذا التعقد في حد ذاته  خاصية الأنوار الأولى ، و بالتالي ـ خلافا لما عهدناه ـ  فالحديث عن  الأنوار كتيار فكري ذي بعد واحد فقط هو ضرب من الاختزال. ارتبطت الأنوار في الواقع  بمرحلة تركيب، لا مرحلة إبداع أصيل كلية؛ استوعبت إرث فكر بدأ في  اكتساح أوروبا منذ نهاية العصر الوسيط، فكر تحددت  معالمه إبان عصر النهضة و القرن السابع عشر. تعلي الأنوار من شأن العقلانية والتجريبية (لا بتجاورهما بل  بتمفصلهما )، و تشيد في الآن نفسه بالمعرفة سواء كانت المعرفة بالقوانين الكونية  أو قوانين تاريخ الشعوب، كما تقر  كذلك بتعدد الثقافات و  وحدانية الحضارة .  دافعت الأنوار في نفس الآن عن العقل و الأهواء، الجسم و النفس، الفنون والعلوم، الاصطناعي و الطبيعي، إذ أثرت بشكل كبير على مجمل مجالات الإبداع الفكري، من الفلسفة إلى العلوم، مرورا بالأدب و الحقوق و الفن... الجديد في كل هذا، أن الأفكار غادرت آنذاك الكتب لتتحقق على أرض الواقع. سيكتسي هذا التحول مع نهاية القرن طابعا عنيفا و متوترا: حرب الاستقلال بأمريكا، الثورة الفرنسية. لن يتم إذن تعريف الأنوار إلا على حساب اختزالات عدة: إذ مهما كان التعريف المحتفظ به،  بالإمكان  دائما الاعتراض عليه.

 يعتقد الفرنسيون في الغالب  أن الأنوار تخصهم وحدهم : و الحال أن الأمر ليس كذلك، لقد تطورت الأفكار الكبرى أولا في ما وراء بحر المانش ( انجلترا ) أو في إيطاليا،  لتتعمق و يتسع مداها فيما بعد بألمانيا. ببساطة، و كل ما في الأمر أن باريس كانت بمثابة الفضاء الذي أتاح  لهذه الأفكار أن تشيع بنورها  في كل مكان، بفضل  تألق العقل الفرنسي، و بفضل المفكرين الذين أشاعوا هذه الأفكار ، أمثال فولتير، و فريق الموسوعة. أوروبا إذن هي الموطن الحقيقي للأنوار. لقد جاب مونتسكيو مختلف بلدان أوروبا، استقر فولتير بإنجلترا، كما حل الايقوسي دافيد هيوم و الايطالي بكاريا لمدة طويلة بباريس. ترجمت الكتب، منها من لقي الترحاب وقوبل بالإطراء و منها من تعرض للنقد اللاذع؛ كما نشر البعض منها بالخارج، لتعرض مؤلفيها للاضطهاد في بلدانهم،  ذلك أن أفكارهم  تزعج.

إن أردنا اختزال الإرث الفكري للأنوار في أدنى حد، فما الذي ينبغي عندئذ الإشادة به و تثمينه؟ أول ما نشيد به هو فكرة الاستقلال: إمكانية التحرر من وصاية الديانة المسيحية التي تفرض على كل واحد طريقة وحيدة في التفكير و الإحساس، مما يدفع لمساءلة الموقع الذي يشغله الدين في المجتمع.  شمل هذا البحث عن الاستقلالية كل مجالات الوجود، بدء من المعرفة في معناها الشامل. تحررت المعرفة من كل أشكال الرقابة الإيديولوجية، محققة بذلك نجاحات منقطعة النظير. نفس الأمر عرفه مجال الحق و التربية و الفنون...تمت المطالبة كذلك بالاستقلالية على المستوى الفردي ـ لكل واحد الحق في تدبير حياته الخاصة كما يحلو له ذلك ـ والجماعي: من حق الشعب صياغة القوانين التي تنظم حياته،  و اختيار الأفراد الذين يديرون شؤون البلاد. تقف السلطات داخل الدولة، بفعل تعدد الاستقلالات هذا،  في وجه كل تحويل للسلطة ، من طرف أي كان، إلى سلطة مطلقة. تحد الحرية الفردية من سيادة الشعب، و العكس صحيح كذلك: إذ يقلص الانشغال   بالمصلحة العامة من الانجذاب نحو المصلحة الشخصية

لا يعد، في نفس الآن، مطلب الاستقلالية مطلقا.  تحده من جهة غاية الممارسة العمومية: خدمة الصالح العام ( غاية إنسانية محض ) و من جهة أخرى، الاعتراف، بناء على مبدأ الكونية، بتساوي كل أعضاء النوع البشري في الكرامة ـ و هو ما ندعوه اليوم بالحقوق الإنسانية.

 

نزعة ظلامية و نزعة اختزالية

كانت روح الأنوار، في زمانها و الآن كذلك، مهددة باستمرار. أولا من لدن أعدائها المعروفين، الذين رفضوها جملة و تفصيلا.  يتعلق الأمر بمختلف التيارات الدينية، كيفما كانت توجهاتها: يهودية أو مسلمة، هندوسية أو مسيحية. يرفض هؤلاء، حسب الحالات، قيام قوانين الدولة على أساس إنساني محض، أو إمساك الدولة عن مقاضاة معتقدات مواطنيها، و أن المعرفة لا تقيم أي وزن للكتب المقدسة. التهديد الثاني أكثر خطورة، لأنه صادر عمن يعلنون انتسابهم للأنوار لكنهم  يحتفظون فقط بعنصر واحد دون العناصر الأخرى، جاعلين منه إذن أساس دوغمائية جديدة. إن كان التهديد الأول  هو تهديد النزعة الظلامية، فإن التهديد الثاني  يمكن نعته بالاختزالية.

    هكذا اعتقد البعض إبان القرن الثامن عشر نفسه أن تاريخ تقدم الشعوب يسلك طريقا  خطيا و نسقيا؛  في حين يدعو آخرون ( أو هم  أنفسهم)  لنزعة " تفاؤلية" اجتماعية ، مقتنعين بإمكانية التخلص من  مصائب الإنسانية عن طريق تربية سليمة و حكومة  رشيدة. لكن لم تكن بتاتا هذه هي قناعة مفكري الأنوار ذوي العقول النيرة، لقد كان جان جاك روسو واعيا تماما بالبعد التراجيدي للوضع البشري: فهو  يعلم  ترابط المكاسب و الخسائر التي يجلبها كل " تقدم"،  حين يؤكد أن " الخير و الشر ينسابان من نفس المنبع ".

 

توازن صعب

تحضر فيما بعد أمثلة عديدة  عن هذه النزعات الاختزالية. قمعت أمس الأنظمة الكليانية الحرية الفردية و عطلتها باسم إرادة مطلقة للشعب، و استأثرت بها في الواقع طغمة حاكمة؛ هكذا أخضعت الحياة الاقتصادية لمصادرات سياسية، مما جر البلاد نحو خصاص دائم. تبعد اليوم الليبرالية المفرطة كل كبح للرغبات الفردية و تتخلى عن فكرة المنفعة العامة، و ذلك بإخضاع السلطات السياسية لإكراهات اقتصادية، أضحت غايات في ذاتها. بهذه الكيفية،  باسم الوفاء الأعمى لبعض أفكار الأنوار، نخون روح الأنوار، إذ نجتثها من الكل الذي هي جزء منه.

تتمتع مع ذلك المبادئ الكبرى للأنوار، أكثر من أي وقت مضى،  براهنيتها، قد نعود إليها، على سبيل المثال، في  الدفاع عن نظرية داروين ضد القائلين بالخلق؛ في إدانتنا للتعذيب....؛ في احترام تعدد الثقافات و الانخراط في بعض القيم الكونية؛ في النظر للإقلاع الاقتصادي بوصفه وسيلة و ليس غاية، في تشجيع التعددية السياسية داخل البلد الواحد، وبين البلدان فيما بينها. بإمكاننا فعل ذلك إذن، لكن شريطة عدم اختزال هذا الإرث في شعارات معزولة عن سياقها، و المحافظة على  ثرائه و توازنه الصعب الذي تسعى  الأنوار لإقامته بين مختلف أوجه الوضع البشري.

 

                      المصدر          Le Point. Hors-serie. N : 26

                                                            مارس ـ أبريل 2010

                                                            النصوص المؤسسة لفكر الأنوار. ص 7 ـ 9 

 

 

 

            

 

 

 

  

 

 

Commenter cet article