la philo et la didactique

Publié le par mohamed najib

                                        الفلسفة و الديداكتيــــــــك

 

                                                               ترجمة محمد نجيب فرطميسي و عثمان بنعليلا

 

 درس الفلسفــة

      يقتضي تعريف الدرس الفلسفي اليوم تقديم تحليل دقيق لمكوناته، و لن يتم ذلك إلا بالوقوف على أهم الخصائص المميزة له، بيد أن عملا كهذا ليس بالأمر الهين خصوصا عندما نجد أنفسنا أمام درس:

تتغير تحققاته الفعلية من قسم لآخر، بله داخل القسم الواحد خلال السنة الدراسية الواحدة، و إذن فها نحن أمام درس تبدو مكوناته على درجة من التعقيد، بحيث قد يعتبر كل إغفال أو طمس لمكون واحد من مكوناته أكبر عائق أمام إدراكنا لمميزاته، و يزداد الأمر صعوبة عندما يتعلق بالوقوف عند ماضي التدريس الفلسفي.

ليس هذا فحسب، بل تواجهنا صعوبة ثانية عندما نحاول التفكير في طبيعة الخطاب الذي دار ـ و ما يزال ـ حول الدرس الفلسفي. ها هنا يتعذر علينا أن نعرف جيدا ما إذا كانت هذه الخطابات تتكلم فعلا عن درس واقعي، أم أنها تقدم لنا نظاما من القواعد النظرية الثابتة، و التي بجب أن يخضع لها درس الفلسفة.

بمعنى ما، و هذا أمر صحيح، إن كل محاولة تستهدف تقديم تعريف للدرس الفلسفي تنطلق ـ ضمنا أو صراحة ـ من موقف فلسفي معين، و بالمثل، إن القول بأن الفلسفة تملك بيداغوجيتها الخاصة، أو أنها لا تدين لأي خطاب بأي ولاء، يسمح لنا أن نتعامل مع الدرس الفلسفي كسؤال فلسفي على غاية من الأهمية بمكان. نعم إن القول بأن الفلسفة لا تحتاج لأية وصاية بيداغوجية، قد يؤدي إلى وضع التشكلات التاريخية و الاجتماعية و المؤسساتية، والتي كان تعليم الفلسفة يخضع لها، موضع مأزق.

خطاب و قراءة:

بالإضافة لهاتين الصعوبتين السالفتي الذكر ( طبيعة الدرس الفلسفي، و طبيعة الخطابات التي عملت على التنظير له ) يجب أن نضيف مفارقة يكشف عنها استعمالنا اليوم لمصطلح الدرس بالذات.

يشير هذا المصطلح لنوع من الخطاب، لممارسة معينة للكلام. إنه يحيلنا إلى ممارسة معينة للتدريس، إلى مرحلتين تاريخيتين و ثقافيتين متمايزتين؛ المرحلة الإغريقية، و المرحلة الوسيطية. علاوة على هذا، فإن مصطلح التدريس يرتبط بوضعية تاريخية و ثقافية تميزت بندرة المخطوطات من جهة ( اليونان )، و بسلطة النصوص التي تضع قواعد لا محيد عنها لكل عقل يمارس نشاط المعرفة، و يسعى  لتبليغه للآخرين ( العصور الوسطى ). يعني الدرس هنا، و في هذا المستوى من التاريخ قراءة   lectio  une    و سواء أكانت المادة المهيمنة هي البلاغة أو النحو أو الجدل فإن النص يحتل مكانة مركزية في نظام التدريس، كما في معمارية الخطاب. يدور الدرس في كلتا الحالتين حول جاذبية كتاب لا مجال للخروج عنها.

واضح إذن من هذا الكلام أن الدرس في العصور الوسطى، هو:

·        إطار يحده ما هو بطبيعته مكتوب.

·        جدال ساخن حول نص ثابت و جاهز.

·        إرادة توجهها سلطة الذي يعلم.

في مقابل هذه التجربة الطويلة، و بتعارض معها، سنجد تجربة الإغريق في التدريس التي تستند إلى الحوار كأرضية أساسية عليها تتأسس علاقة المعلم بالمتعلم. سيصبح الحوار بديلا عن النص، على اعتبار أن النص الموضوع و الخاضع لصرامة التقنين ليس هو الحقيقة، بل ظلها ( راجع موقف أفلاطون من المسألة في محاورة فيدون ).

هكذا سيسكن نموذج " التدريس " السقراطي التدريس الفلسفي، لا يتعلق الأمر هنا بالانطلاق من نص ثابت، جاهز و مطلق، بقدر ما يتعلق الأمر بضرورة فتح المجال أمام المخاطََب لكي يتمكن من ممارسة فعلية للتفكير، باعتماده على قدراته، لا على طريق معرفي مرسوم سلفا.

سيرث درس الفلسفة من هذا التقليد المزدوج للحوار و القراءة توترا حادا: توتر واضح لدى مدرس الفلسفة بين استعمال الكلام ( و هو الاستعمال الذي يحيلنا على موقف أفلاطون من فن القول ) من جهة، و بين معالجة النص ( و التي  تأخذ لها كإطار مرجعي كتابة الحواشي و التعليقات ) من جهة أخرى. نريد أن نقترح، و على سبيل الافتراض، الأطر التي يمكننا من خلالها أن نمسك بأهم التحولات التي طرأت على درس الفلسفة.

يسمح لنا الأنموذج الأول، بتمييز درس الفلسفي عن درس الرياضيات، أو درس التاريخ، أو درس العلوم الطبيعية... يتجلى هذا الأنموذج ( النموذج الإرشادي paradigme ) في طبيعة الدرس الفلسفي، و هو الدرس الذي يطمح لتحقيق هذا الهدف: من أجل أن يتعلم العقل كيف و متى و لماذا ينبغي أن يتفلسف.

الفرق هنا واضح بين درس يرى حقيقة ما نبحث عنه و نحلم به كأفق ممكن ينبغي أن نمشي باتجاهه، و بين درس يقدم حججا و براهين على حقيقة هي في متناول المتعلم، شريطة أن يمتلك كامل حضوره الذهني. درس الفلسفة هو هذا الممكن الذي لم  يتحقق بعد، و بالتالي فإن كل محاولة لاختزاله في قواعد نظرية جامدة و جاهزة، و مطلقة، لن يؤدي  ـ في أحسن الأحوال ـ  إلا  لتعميم العقم الفكري، و تجذيره داخل العقول. و قد تجد الدروس ما تبحث عنه في درس الفلسفة؛ عمق الرؤيا، و عنف التوتر الدائم مع كل ما يحدها.

 درس الفلسفة بين المنهج السقراطي و الطابع الماجسترالي .

ما الذي يميز درس الفلسفة عن باقي الدروس الأخرى؟

إنه الدرس الذي يعي جيداً أنه يستمد مصداقية حقيقته في علاقة جوهرية تؤسسه، و تمده بما يحتاج إليه من خصوبة. جوهر الدرس الفلسفي أنه علاقة، و جوهر كل علاقة منتجة، متوترة، حبلى بما هم جديد دوما و أبدا أنها تحيى، تنمو و تترعرع خارج كل أصل مطلق خالد و مالك لناصية الحقيقة. إن الدرس الفلسفي هو الخلاصة العليا لهذا الديالكتيك الدائم بين المعرفة والجهل. إنه الدرس الذي يضع حقيقته على دوام البداية.

ينتج الأنموذج الثاني عن التقليد البلاغي الذي ورثناه عن العصور السابقة: يتحدد درس الفلسفة كخطاب كقسَم un serment، كمرافعة، كحوار، كنوع شفوي بالدرجة الأولى. تنبني عن هذا الأنموذج بيداغوجيا خاصة يتميز فيها الدرس عن القراءة، عن شرح النص أو تلخيصه... و الحق أن أنموذجا فلسفيا قد أصبح يفرض نفسه تدريجيا، كأفق واحد لأشكال ممارسة الدرس الفلسفي و التفكير فيه، كما بدا أن أشكال التحليل البلاغي للخطاب ـ الذي يرفض كل مقاربة بيداغوجية لمشاكل تدريس الفلسفة ـ قد أصابها الانهيار.

يمكننا تحديد محيطات الدرس، منظورا إليه فقط انطلاقا من نموذج تمثيلي فلسفي، أي انطلاقا من ظهور أعمال كبار الأساتذة: ألان، لانيـو، و لاشولييه، ( Alain, Lagneau, Lachelier ). بدءا بهؤلاء حدث تغيير في تصور الدرس الفلسفي، و هو التغيير الذي جاءت تعليمات 2 شتنبر 1925 لتزكيته. ثلاث نقط أساسية تبين لنا هذا التغيير:

أ ـ التأكيد على حرية الأستاذ، فهو " حر في اختيار منهجه و آرائه."

ب ـ منع إملاء الدرس الفلسفي.

ج ـ ضرورة البحث في هذا التعارض بين الدرس السقراطي ( الذي يستند إلى المايوتيقا ) و الدرس الماجسترالي، و هو الدرس الذي يتخذ من ذات المخاطب محورا لكل معرفة.

لنقف عند هذه المسألة:

لا يخلو اتخاذ المناهج الفلسفية كمطلقات، من أخطار لها أوخم العواقب على الدرس الفلسفي. إن الذين يربطون " جودة " و " خصوبة " الدرس بمدى خضوعه التام لسلطة المنهج السقراطي ينسون، أو يتناسون كل هذا الفرق الشاسع بين تصور سقراط للمعرفة الفلسفية، للحوار، لغاياتهما، لأهدافهما، و بين تصورنا نحن اليوم. ليس هذا فحسب، بل ثمة صعوبات واضحة تحول دون تحقيق هذا المنهج داخل الدرس نذكر منها على سبيل المثال؛ أن هذا المنهج يتطلب قدرة فائقة على التعبير، جدة وعمق في التفكير، يقظة ذهنية هائلة، عدد قليل من التلاميذ، مستوى معرفي جيد، مدة زمنية طويلة للتأكد من نتائجه. باختصار، لا اعتراض لنا على المنهج، و لا تحفظ لدينا منه كلما توفرت الشروط المشار إليها.

و الآن، حتى ما إدا افترضنا أن الدرس الفلسفي سيأخذ طابعا ماجيستراليا Ex Cathedra   فإنه يجب على الأستاذ أن يعمل جهدا ما في وسعه، لكي يجذب التلاميذ إلى هذا التوتر، و هذا القلق الدائم اللذين يسكنان فكره. الهدف من كل هذا أن نكون على وعي بأن لغتنا الحاملة لأفكارنا و عواطفنا و أخلاقنا و طموحاتنا، لا تكتسب دلالاتها، أعنى صدق ما تبحث عنه، إلا عندما تستطيع أن تتداخل و تتفاعل إلى حد التشابك مع الآخر. و لربما كان هذا هو السبب الكامن وراء هذه الدعوة الفكرية، وهي دعوة صادقة و إلى حد بعيد، التي ترى أن النص ( المقررات، الدروس المكتوبة، العروض..) لا يمكنه أن يكون بديلا عن شخصية المدرس. على المدرس أن يعرف كيف ينبغي أن يحضر في عمق درسه بكل روعة العنف، و كيف ينبغي أن ينسحب بكل وداعة الهدوء.

لا شيء يعوض قيمة درس يتيح للعقول فرصة تحقيق حلمها الدائم، أعني هذا التواصل الفكري، و الوجداني، و الذي نفتقده هنا و الآن. الدرس؛ لحظة شفوية بامتياز يجب أن نتعلم السفر فيها بكل مخاطرة. وحده درس كهذا يستطيع أن يخرج للوجود هذا السؤال الذي يهم الجميع؛ مخَاطبا و مخاطبا.

هذا الدرس الذي يتأسس على الكلام الجاد، و الذي يحافظ على استقلاليته و حريته ـ تجاه كل وصاية فكرية دوغمائية ـ هو وحده الذي يستطيع أن يدشن حداثة الدرس الفلسفي. تكمن حداثة هذا الدرس في تقديم و احترام المجال الذي يدور فيه، على اعتبار أن هذا المجال هو الذي يسمح له، و يضمن له كامل مشروعيته. إن مجال الدرس الفلسفي هو القسم. لكن ليس القسم هنا فضاء نحكم إغلاقه علينا. إن القسم ـ في منظور التصور المعاصر للدرس الفلسفي ـ هو هذه اللحظة التي تتيح لنا أن نضع اليد على بعد من أهم أبعاد التدريس الفلسفي؛ بعد اكتشاف و معاينة تاريخ الأزمات المتوالية على الفكر الفلسفي، وعلى ممارسة تدريسه. القسم، مختبر اللغة و الفكر و الإحساس و الرغبة، و كل ما نملك؛ هذه الروح و هذا الجسد. القسم، استنفار دائم لما قد يهدد الذات هنا و الآن: وهمُ امتلاك الحقيقة. هكذا نفهم لماذا نلحّ على ضرورة إعطاء الأولوية للدرس. فقط عندما نمارس الدرس كروح متجددة، محافظة على كل يقظتها، نستطيع أن نضع حدا للجدال الذي دار ـ و مازال ـ حول مسألة ما إدا كانت وظيفة مدرس الفلسفة تكمن في تقديم ، و عرض، و تلخيص تاريخ الفكر الفلسفي، أم أنها تكمن في تعليم الآخر فعل التفلسف.

الآخر المتعلم، هو الذي ينبغي أن نفكر فيه، أي هو الذي يجب أن نبحث معه عن أهم العوائق الفكرية و الوجدانية و الأخلاقيةـ التي تقف سدا منيعا أمام إمكانية تأسيس مشروع درس يضم هاجسنا الواحد و الوحيد،: التواصل.

الآخر المتعلم ليس بطرف سلبي في هذه العلاقة التي تربطنا به، ينبغي أن نفكر جيدا في هذه المسألة؛ لماذا يحب المربي كثيرا أن يرى في ذاته كل الأصل، و لماذا يرغب كثيرا في امتلاك هذا " الفرع " و الذي في تقديره، لا يعدو أن يكون محض خضوع مطلق؟

يمكننا أن نتجاوز هذا الصراع بين الموقف الذي يدعو لضرورة تبني المنهج السقراطي في بناء الدرس، و بين الموقف الذي يدعو لضرورة اللجوء إلى الدرس الماجسترالي، عندما نأخذ بعين الاعتبار حضور التلاميذ، هذا الحضور الذي يشكل صورة و مادة حوار في حالة كمون. ها هنا نصل عمق إشكالية الدرس الفلسفي: يتطلب كل تحليل لمصطلح الحوار و لمصطلح الدرس الفلسفي، حضور وعي فلسفي قادر على اكتشاف أهم العوائق التي تحول دون تحققهما، أكثر مما يتطلب اللجوء إلى نظرية في الحجاج. بعبارة أخرى، تكمن إشكالية الدرس الفلسفي، في أن تحليل الحوار يعود شأنه شأن الدرس الفلسفي إلى " فلسفة اللقاء " أكثر مما يعود إلى نظرية في الحجاج. المقصود بفلسفة اللقاء هنا هذه الفلسفة التي تدعو الى ضرورة تأسيس علاقة المخاطب بالمخاطَب على قاعدة التداخل و التفاعل.

 

  La philosophie et la didactique

In L’Univers philosophique.

Sous la direction de André Jacob.

PUF. Paris. 1989.

 

 

 

Commenter cet article