فلاسفة الأنوار مهدمو المعتقدات

Publié le par mohamed najib

فلاسفة الأنوار

مهدمـــو المعتقدات

 

لكي يتسنى للأنوار، هذه الموجة العاتية، أن تجرف كل شيء وجد في طريقها، كان لابد من التهيء لها، خلال القرنين السادس عاشر و السابع عشر، و ذلك من خلال عمل تنقيبي شمل الأسس التي قام عليها المجتمع التقليدي، و همّ كذلك يقينياته و معتقداته.

 

 

                                                         جونتان إسرائيل

                                                          ترجمة محمد نجيب فرطميسي

 

لإدراك ما كانت عليه حركة الأنوار، لا بد من فحص الأسس التي قامت عليها أوربا في القرنين السادس عشر و السابع عشر. كان المجتمع الأوربي تراتبيا  بشكل صارم، حيث السلطة بيد الملكية و المعتقدات تحت وصاية الدين؛ عقيدة تفرض إرادتها بحزم على العلم و الثقافة و التربية، كما  تحد بكيفية درامية من مجال المناظرة و المناقشة و التجديد. قد نعتقد أن مجتمعا كهذا يفرز بداخله قوى عنيفة للمقاومة: ليس هذا النظام الاقتصادي السائد صارما فقط ، بل غير منصف تماما،  ما دامت الأرض ـ بوصفها المصدر الرئيسي للإنتاج ـ مراقبة من طرف  أرستقراطية  متسلطة، حيث تعيش غالبية  السكان   وضعية خضوع و امتثال، أما القانون فلا  يحمي  إلا ذوي الامتيازات. لكن الأمور لا تحدث هكذا عندما يقوم تصور البشر عن العالم على العناية الإلهية و قدسية الكتب السماوية و مشروعية الكنيسة، عندما يقتنع المجتمع بأن المعرفة الحقة وقف على علماء اللاهوت. لكي تحدث الأزمة، لابد أن يعيد معظم الناس النظر في هذه المعتقدات؛ عندئذ فقط، حتى و إن همّ الرفض أولا مفكرين قلائل، فإن هذه الموجة العاتية ستعصف بكل شيء.

 هذه الحركة المتميزة فعلا، القوية من حيث دلالتها، و المتفردة من حيث نتائجها،  هي التي ندعوها الأنوار. فهي التي حددت معالم النظام الذي يدير العالم الحديث. إن اعتبرنا بأن هذا النظام مؤسس على مجموعة من الحقوق موزعة بالتساوي ـ الحرية الفردية، الديمقراطية، المساواة بين الأنواع و الأجناس، حرية الصحافة و التعبير...ـ و أن أساس قيام الدولة هو ضمان رفاهية الشعب في الدنيا لا في الآخرة.، يتضح إذن أنه نظام على النقيض من ذاك الذي هيمن طيلة القرنين السابع عشر و الثامن عشر، و استمر حتى القرن التاسع عشر. تجاوز هذا التحول العظيم عصر النهضة، و الإصلاح، و الثورة الصناعية. كيف جرى ذلك؟ بواسطة توحد القوى المعبرة عن تنامي التناقضات الداخلية  و التوترات التي أثارتها الحروب الدينية، و مشكل التسامح الديني، و وقع الاكتشافات العلمية  الحديثة، خاصة اكتشافات كوبرنيك و جاليلي، و التمردات الأولى ضد تسلط الأسر الملكية، كتمرد الهولنديين ضد ملك إسبانيا فيليب الثاني، و الثورة الانجليزية الأولى.  إذ بمجرد ما بدأت إعادة النظر في المعتقدات، أضحى من غير الممكن الوقوف في وجه حركة المراجعة هذه. أكد آنذاك مؤسسو فلسفة الأنوار، ديكارت و هوبز، و فيما بعد سبينوزا و لوك و ليبنتز و بايل، زيف المفاهيم التي تتعامل  بها العامة مع الأشياء الجوهرية في الحياة؛ لقد أكدوا أننا  بمراجعة هذه المفاهيم، قد  نساهم فعلا في تقدم الوجود البشري. يغذو فعلا المجتمع أكثر تسامحا ( الشغل الشاغل لبايل) أكثر استقرارا ( هوبز ) أكثر عقلانية  في مقاربته للكوارث الطبيعية و الأوبئة ( شكل هذا إحدى أهداف ديكارت ) أكثر تحررا ، و انفتاحا على وجهات نظر مخالفة، و عادلا في معالجته لمسالة الأقليات الأكثر هشاشة.

عندما  أقر سبينوزا بأن الجسم و النفس ليسا جوهرين مختلفين، بل هما قبل كل شيء جوهر واحد منظور إليه من زوايا مختلفة، يكون بذلك قد قاد إلى أبعد مدى ثورة الأذهان. ترفض   فلسفته في الواقع المبدأ القائم على النظام الإلهي، و الخلق الإلهي، و ثبات الأنواع. لأول مرة أعطيت  الأولوية للعلم. المجتمع قادر، انطلاقا من هذه المفاهيم، على مقاومة التلاعب الديني، الاستبداد، السلطة المطلقة و الأنظمة الأولغارشية و الديكتاتوريات. هكذا قد يصبح المجتمع أكثر ديمقراطية، و تحررا، و إنصافا. ألم يكن سبينوزا أول فيلسوف يقر بأن الجمهورية الديمقراطية هي أفضل النظم السياسية؟ سيقابل الفلسفة باللاهوت، و العالم الموجود بعالم أفضل.. كل هذه الإسهامات جعلت منه الوجه البارز عن الأنوار الراديكالية.

راديكاليون و معتدلون

يستحيل مع ذلك الحديث خلال 1680 عن الأنوار بما هي كذلك. لم تغير مباشرة أفكار هؤلاء المفكرين الكبار العالم، رغم توفر كل الشروط لذلك؛ قدمت هذه الأفكار فقط الأدوات النظرية لتقدم العالم و إصلاحه. توجد فضلا عن ذلك بين هؤلاء المفكرين اختلافات مهمة ومتعددة. هكذا يقبل لوك و ليبنتز، حتى عند إدانتهما للفكر التقليدي، فكرة العناية الإلهية التي تسهر على تنظيم العالم وسيره؛  يعترفان بقدسية الكتب السماوية و بالسلطة الدينية، هذا ما يرفضه طبعا سبينوزا، و هوبز بدرجة أقل. يبتغي لوك و ليبنتز التخفيف من حدة المراقبة، و يطمحان  لتسامح جزئي، لكنهما يظلان مع ذلك من دعاة أشكال متعددة من الإبعاد و الإقصاء ( رفض لوك للإلحاد ).. يدعوان للإبقاء على  الرقابة، خلافا لسبينوزا و بايل، اللذين يؤيدان التسامح و حرية التعبير المطلقة . يرفض بعض المفكرين، شأن هوبز و بايل و ليبنتز فيما بعد، المسوغات اللاهوتية و التقليدية للسلطة الملكية، لكنهم لم  يدينوا مبدأ الملكية في حد ذاته، في حين أن النموذج السياسي الأمثل لكل من  لوك و سبينوزا و العديد من منظري الثورة الانجليزية، شأن جيمس هارينغتون، هو النظام الجمهوري، أو نظام يستلهم على الأقل مبادئ جمهورية. لقد اجتهد البعض، كما هو  الشأن بالنسبة  لليبنتز و لوك، من أجل التوفيق بين القديم و الحديث في فلسفتهم الأخلاقية:  هكذا برروا قيام النظام الأخلاقي على سلطة الكنيسة و الدين، في حين يفصل سبينوزا و بايل على الخصوص الأخلاق عن اللاهوت، و لا يعترفان للكنيسة بأية مشروعية في تدبير شؤون المجتمع. صحيح أن كلا من سبينوزا و بايل يعيشان بهولندا التي تنعم أكثر من أي مكان آخر بحرية  النشر: أكثر من بريطانيا العظمى، و فرنسا، هكذا ستلعب الأقاليم المنخفضة ( هولندا ) إلى حدود 1720  دورا مركزيا في بزوغ الأنوار.

يوجد إذن لدى هؤلاء المفكرين فصل جوهري بين تيار معتدل، ستعترف به أخيرا معظم الحكومات و رجال الكنيسة، و تيار راديكالي سيتم استبعاده كلية من طرف السلطات القائمة إلى حدود القرن العشرين. هكذا، و في فترة  الأنوار، حيث ازدهرت  المخطوطات و المطبوعات السرية، أصبح مفكرون أمثال بايل و فونت نيل و ديدرو ناشر الانسكلوبيديا، خبراء في فن الاختفاء وراء الأقنعة و الكتابة بكيفية ملتوية... لكن مع نهاية القرن الثامن عشر، تحولت الهوة  بين الأنوار " المعتدلة " التي تسعى لإيجاد توازن بين الاعتقاد و العقل،  و بين الأنوار " الراديكالية "، التي تدعو لقيادة العقل للعالم، تحولت هذه الهوة : إذ يتعلق الأمر حينئذ  بمعرفة إن كنا مع مبادئ الثورة الفرنسية أم ضدها.

 

 

جونتان إسرائيل أستاذ التاريخ بجامعة برانستون،

من جملة مؤلفاته " الأنوار الراديكالية ". 2005

 

 

 

                   Le Point. Hors-série. N : 26

 مارس ـ ابريل 2010                ا

           النصوص الأساسية لفكر الأنوار. ص 11 – 13

 

Commenter cet article